فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره . والثاني : أن يكون المعنى : لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمناً ، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة . قال صاحب الكشاف : قرىء * ( مؤمناً ) * بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك . المسألة الثالثة : في سبب نزول هذه الآية روايات : الرواية الأولى : أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة ، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ، وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال : قتلتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة يا رسول الله استغفر لي ، فقال : فكيف وقد تلا لا إله إلا الله ! قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتنق رقبة . الرواية الثانية : أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام ، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " لا غفر الله لك " فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده " ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة . الرواية الثالثة : أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال : فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة ، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ؟ فقال رسول الله لا تقتله ، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ، فقال عليه الصلاة والسلام " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال القفال رحمه الله : ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته والله أعلم . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه : الأول : هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب